المرابطون ملوك المغرب
دراسة موثقة في المجال الجغرافي والأصل القبلي والهوية السياسية للدولة المرابطية
إعداد: ولد صنهاجة
ملخص البحث: تبحث هذه الورقة في النصوص الجغرافية والتاريخية التي تحدد المجال الذي نشأت فيه الحركة المرابطية، وتدرس موقع قبائل صنهاجة ولمتونة ولمطة ومسوفة بين السوس وجبال درن وسجلماسة ونول ووادي نون ومداخل الصحراء. كما تتتبع الأوصاف السياسية التي أطلقها المؤرخون على المرابطين، ومنها «ملوك المغرب»، وشهادة عبد الله بن بلقين التي تنقل عن يوسف بن تاشفين قوله: «أنا رجل مغربي». وتخلص الورقة إلى أن المرابطين كانوا دولة مغربية أمازيغية صنهاجية، مع التمييز بين النصوص الصريحة والمطابقات الجغرافية الحديثة التي تبقى اجتهادية.
مقدمة
تُعدّ الدولة المرابطية من أبرز الدول التي أسهمت في توحيد المغرب في العصر الوسيط، إذ انطلقت دعوتها من المجال السوسي والصحراوي المتصل بالمغرب الأقصى، ثم امتد نفوذها إلى سجلماسة وأغمات ومراكش، ثم امتد نفوذها جنوبًا في اتجاه بلاد السودان، قبل أن تعبر إلى الأندلس وتصبح إحدى أعظم القوى السياسية في الغرب الإسلامي.
ومع ذلك، ظهرت في بعض القراءات الحديثة محاولات لفصل المرابطين عن تاريخ المغرب بحجة أن انطلاقتهم الأولى كانت من الصحراء وبين قبائل صنهاجة الملثمين. غير أن هذا التصور لا ينسجم مع نصوص الجغرافيين والمؤرخين؛ فالمصادر نفسها تضع لمتونة ومسوفة ولمطة وصنهاجة داخل المجال المغربي، وتربط مواطنها بالسوس وبلاد الصحراء المغربية الحالية وجبال درن، كما تصف المرابطين صراحةً بأنهم ملوك المغرب، وتنقل عن يوسف بن تاشفين تعريفه لنفسه بأنه رجل مغربي.
ومن الضروري هنا عدم إسقاط مفهوم الجنسية الحديثة أو الحدود السياسية الحديثة على القرن الخامس الهجري. فالمقصود بمغربية المرابطين هو انتماؤهم إلى المجال المغربي كما عرفته المصادر الوسيطة، وقيام دولتهم السياسية في المغرب الأقصى، واتخاذهم مراكش عاصمة، وعبورهم منها إلى الأندلس.
وتقوم مغربية المرابطين على أربعة مستويات متكاملة من الأدلة:
- الأصل القبلي الصنهاجي المرتبط بالمغرب الأقصى.
- المجال الجغرافي الممتد بين السوس وجبال درن وصحراء المغرب.
- المركز السياسي للدولة في مراكش.
- التسمية الصريحة لهم في المصادر بوصفهم ملوك المغرب.
أولًا: صنهاجة ولمتونة ومسوفة ولمطة من شعوب المغرب
يقدم ابن خلدون نصًا جامعًا في تحديد فروع صنهاجة ومواطنها، فيقول:
«ومن صنهاجة بطون كثيرة: لمتونة، ومسوفة، ولمطة، وتَكالة، وتَكالَّتة، ومغيلة، وهم شعوب متفرقة بالمغرب الأوسط والأقصى، كانت لهم دولة عظيمة بإفريقية والمغرب».
المرجع: ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، ج6، ص11، دار الفكر.
تكمن أهمية هذا النص في أنه يثبت بوضوح أن لمتونة ومسوفة ولمطة ليست قبائل خارجة عن المجال المغربي، بل هي بطون صنهاجية متفرقة في المغرب الأقصى. كما ينسب إليها ابن خلدون قيام دولة عظيمة في إفريقية في إفريقية والمغرب، ومن أبرزها الدولة الزيرية والدولة المرابطية ، وهو ما يربط الاتحاد الصنهاجي بتاريخ المغرب السياسي.
ويؤكد ابن خلدون هذا المعنى في موضع آخر، إذ يقول عن لمطة وصنهاجة والقبائل المتصلة بهما:
«وهذه الأمم الثلاث موطنون بالسوس وما يليه من بلاد الصحراء وجبال درن…». ثم يذكر عبد الله بن ياسين بوصفه صاحب الدولة اللمتونية.
وهذا النص يحدد مواطن القبائل المؤسسة للمرابطين في ثلاثة أقاليم واضحة:
- السوس.
- بلاد الصحراء المتصلة به.
- جبال درن.
وجبال درن هي الاسم الذي استعمله الجغرافيون والمؤرخون في العصور الوسطى للدلالة على سلسلة الأطلس الكبير في المغرب الممتد بمحاذاة السوس ومداخل الصحراء.
وعليه، فإن قول ابن خلدون إنهم كانوا موطنين في السوس والصحراء وجبال درن يعني أنهم كانوا جزءًا من المجال المغربي الجنوبي والأطلسي.
ثانيًا: جبال درن هي الأطلس المغربي
يظهر اسم درن في عدد من النصوص الجغرافية المتعلقة بالمغرب والسوس. والمقصود به في الاستعمال الوسيط سلسلة جبال الأطلس، ولا سيما الأطلس الكبير، وإن كان الاسم قد يتسع أحيانًا بحسب المؤلف ليشمل امتدادات أخرى من السلسلة الأطلسية.
وعندما يربط ابن خلدون صنهاجة ولمطة بالسوس وبلاد الصحراء وجبال درن، فهو لا يتحدث عن منطقة مجهولة خارج المغرب، بل عن قلب الجغرافيا المغربية الجنوبية:
- السوس في الجنوب الغربي.
- الأطلس الكبير.
- الممرات الصحراوية المتصلة بهما.
وهذا يوضح أن المجال القبلي الأول للمرابطين كان مغربيًا من حيث الجغرافيا، حتى قبل تأسيس مراكش.
ثالثًا: الزهري الأندلسي يضع صنهاجة وبلاد المرابطين في جغرافية المغرب
1. صنهاجة من قبائل المغرب
يقول أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزهري عند وصف المغرب:
«وأما صقع المغرب فإنه صقع كبير… ويسكنه من قبائل البربر غمارة وصنهاجة وكتامة وزناتة…».
المرجع: الزهري، كتاب الجغرافيا، ص116 بحسب النسخة المصورة.
هذه العبارة صريحة في أن صنهاجة من قبائل المغرب. ولأن لمتونة ومسوفة ولمطة من بطون صنهاجة، فإن الأصل القبلي للمرابطين يدخل عند الزهري ضمن المجال البشري المغربي.
2. السوس الأقصى متصل ببلاد لمتونة المرابطين
يقول الزهري تحت عنوان:
«الصقع الثالث: السوس الأقصى».
ثم يحدد حدوده ويذكر:
«وحدّه في المشرق الصحراء المتصلة ببلاد لمتونة المرابطين… وحدّه في الجنوب مدينة نول…».
المرجع: الزهري، كتاب الجغرافيا، ص117.
هذا النص مهم لأنه يضع بلاد لمتونة المرابطين في اتصال مباشر بالسوس الأقصى، ويجعل نول في جنوبه. فالمجال المرابطي لا يظهر هنا ككيان بعيد عن المغرب، بل كامتداد صحراوي متصل بإقليم السوس.
3. جزولة ونول وآخر بلاد المرابطين
يذكر الزهري في وصفه للسوس الأقصى وجزولة أن المجال يمتد إلى نول وإلى آخر بلاد المرابطين.
المرجع: الزهري، كتاب الجغرافيا، ص336 بحسب النسخة المرفقة.
وتفيد هذه الإشارات بأن جزولة والسوس ونول وبلاد المرابطين كانت أجزاء من مجال جغرافي متصل في جنوب المغرب.
رابعًا: الإدريسي يصرح بأن لمتونة الصحراء في المغرب الأقصى
تعد شهادة الشريف الإدريسي من أقوى الشهادات؛ لأنها تجمع صراحةً بين الصفة الصحراوية والانتماء المغربي.
1. النص الحاسم
يقول الإدريسي:
«مثل ما تفعله لمتونة الصحراء الذين هم بالمغرب الأقصى».
المرجع: الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ص40 بحسب النسخة المصورة.
هذه العبارة تحسم الاعتراض القائل إن صحراوية لمتونة تنفي مغربيتها. فالإدريسي يصفهم في الوقت نفسه بأنهم:
- من لمتونة الصحراء.
- موجودون بالمغرب الأقصى.
إذن، الصفة الصحراوية عنده وصف لموطنهم داخل المغرب الأقصى، وليست نفيًا لانتمائهم إليه.
2. نول الأقصى وتازكاغت من بلاد لمتونة
يقول الإدريسي:
«فأما بلاد نول الأقصى وتازكاغت فهي بلاد لمتونة الصحراء، ولمتونة قبيل من صنهاجة…».
المرجع: الإدريسي، نزهة المشتاق، ص223 بحسب النسخة المرفقة.
يثبت هذا النص أن:
- نول الأقصى وتازكاغت من بلاد لمتونة.
- لمتونة قبيل من صنهاجة.
- المجال اللمتوني كان متصلًا بنول والسوس والصحراء المغربية.
3. أزكى من بلاد مسوفة ولمطة
يقول الإدريسي:
«وأما مدينة أزكى فإنها من بلاد مسوفة ولمطة، وهي أول مراقي الصحراء، ومنها إلى سجلماسة ثلاث عشرة مرحلة، ومنها إلى نول سبع مراحل».
المرجع: الإدريسي، نزهة المشتاق، ص225 بحسب النسخة المصورة.
ويكشف هذا النص شبكة جغرافية مترابطة بين:
- سجلماسة في تافيلالت.
- أزكى.
- نول.
- بلاد مسوفة ولمطة.
- أول الصحراء.
وهذا دليل على أن قبائل المرابطين كانت متصلة بمدن المغرب ومراكزه التجارية، لا منعزلة في مجال خارج عنه.
4. نول وقبائل لمتونة ولمطة
يصف الإدريسي نول بأنها مدينة كبيرة عامرة على نهر يأتي من جهة المشرق، ويذكر أن عليها قبائل لمتونة ولمطة.
كما ترد باسم نول لمطة، وتقع في المجال المتصل بوادي السوس وأول الصحراء.
ويُفهم من ذلك أن لمطة ولمتونة كانتا مرتبطتين بمجال وادي نون ونول والسوس، وهي مناطق داخلة في الجنوب المغربي التاريخي.
خامسًا: نول لمطة ووادي نون وكلميم
تقدم المصادر قرائن قوية على أن نول لمطة تقع في مجال وادي نون المتصل بكلميم الحالية، لكن يجب التفريق بين ما هو ثابت بالنص وما هو تحديد حديث.
الثابت من المصادر:
- نول مدينة متصلة بالسوس.
- كانت عليها قبائل لمتونة ولمطة.
- تقع عند أول الصحراء.
- ترتبط بسجلماسة بمراحل معلومة.
- تسمى نول لمطة أو نول الأقصى.
أما القول إن نول القديمة هي بالضبط مركز كلميم الحالي، فالأدق ألا يجزم به دون تحقيق أثري نهائي. ويمكن اعتماد الصيغة التالية:
نول لمطة مدينة تاريخية تقع في مجال وادي نون القريب من كلميم الحالية، وكانت إحدى بوابات المغرب نحو الصحراء.
سادسًا: المسافة بين سجلماسة ونول والمجال الصحراوي المغربي
يذكر الإدريسي أن المسافة من أزكى إلى سجلماسة ثلاث عشرة مرحلة، ومن أزكى إلى نول سبع مراحل.
وقد جرى عند بعض الباحثين تحويل المرحلة إلى مسافة تقريبية تتراوح بين 40 و45 كيلومترًا، فتكون ثلاث عشرة مرحلة في حدود 520 إلى 585 كيلومترًا.
المسافات مفيدة لإثبات وجود شبكة متصلة بين سجلماسة وتافيلالت ونول ووادي نون ومداخل الصحراء.
أما المسافات الحديثة بين تافيلالت وكلميم أو الساقية الحمراء، فهي تساعد على تصور امتداد المجال.
سابعًا: البكري يربط جبل لمتونة بسجلماسة
يقدم أبو عبيد البكري شهادة قريبة زمنيًا من نشأة الحركة المرابطية، فيقول:
«فأمر عبد الله الأمير يحيى أن يتحصن بجبل لمتونة، وهو جبل منيع كثير الماء والكلأ، في طول مسافة ستة أيام وفي عرضه مسافة يوم…».
ثم يقول:
«وذهب عبد الله بن ياسين إلى مدينة سجلماسة في مائتي رجل من قبائل صنهاجة…».
المرجع: أبو عبيد البكري، المسالك والممالك، ص354 بحسب المقتطف المرفق.
يكشف هذا النص أن الحركة المرابطية تحركت بين جبل لمتونة وسجلماسة بواسطة رجال من صنهاجة. وسجلماسة من أهم مدن المغرب، وكانت مركزًا تجاريًا عظيمًا يصل المغرب ببلاد السودان.
ولا يصف البكري هذا التحرك بأنه غزو أجنبي للمغرب، بل يقدمه كامتداد لحركة قبلية ودينية داخل مجال متصل بين الصحراء والمدن المغربية.
ثامنًا: وادي درعة وأول الصحراء
ينقل عن البكري قوله:
«من وادي درعة خمس مراحل إلى وادي تاركا، وهو أول الصحراء».
ويبين هذا النص أن الانتقال من وادي درعة إلى الصحراء كان يتم عبر مسالك محددة داخل جغرافية الجنوب المغربي.
وقد فُسرت كلمة «تاركا» على أنها ذات صلة بلفظ أمازيغي يدل على الساقية أو مجرى الماء، وقد ربط بعض الباحثين هذا الاسم بالساقية الحمراء، وهو ترجيح يحتاج إلى مزيد من التحقيق.
إذن، يصلح النص لإثبات اتصال درعة بمداخل الصحراء، أما التحديد الدقيق لوادي تاركا فيحتاج إلى قرائن إضافية.
تاسعًا: تازكاغت والساقية الحمراء
يرى بعض الباحثين أن اسم «تازكاغت» مرتبطًا بمعنى اللون الأحمر في الأمازيغية، و ربطوه بالساقية الحمراء.
وهذا ترجيح طوبونيمي، والصياغة العلمية الأنسب هي:
قد تكون تازكاغت مرتبطة بالمجال المعروف لاحقًا بالساقية الحمراء، والمؤكد عند الإدريسي أنها من بلاد لمتونة الصحراء، أما المطابقة الدقيقة فتظل محل تحقيق.
عاشرًا: لمط والدرق اللمطية وملك المغرب
تظهر نسبة «اللمطي» في المصادر متصلة بصناعة الدرق أو التروس الجلدية، وتقدّم هذه الإشارة قرينة جغرافية وسياسية في آن واحد.
وينقل ابن خلكان، في سياق الحديث عن يوسف بن تاشفين، النص الآتي:
«… به يوسف بن تاشفين دُرَقًا لمطيّةً مما لا يكون إلا في بلاده. قلت: اللمطيّة بفتح اللام، وسكون الميم، وبعدها طاء مهملة، ثم ياء مشددة مثناة من تحتها، وبعدها هاء ساكنة. هذه النسبة إلى لمطة، وهي بلدة عند السوس الأقصى، بينها وبين سجلماسة عشرون يومًا، قاله ابن حوقل في كتاب المسالك والممالك، وهي معدن الدرق اللمطية، ولا يوجد مثلها في الدنيا على ما يقال، والله أعلم».
ويضيف النص:
«فلما وصلهم كتابه أجابوه وعظموه، وفرحوا بولاية ملك المغرب، وتقوت نفوسهم على دفع الفرنج…».
المرجع: ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، في ترجمة يوسف بن تاشفين، ناقلًا عن ابن حوقل في تحديد لمطة.
وتتجلى دلالة النص في أربعة مستويات مترابطة:
- يحدد لمطة بأنها «بلدة عند السوس الأقصى».
- يربطها بسجلماسة بمسافة عشرين يومًا.
- يجعل الدرق اللمطية من مصنوعات بلاد يوسف بن تاشفين بقوله: «مما لا يكون إلا في بلاده».
- يصف يوسف بن تاشفين صراحةً بأنه «ملك المغرب».
وعليه، فإن النص لا يقدم مجرد تشابه بين اسمي لمطة ولمتونة، بل يثبت أن لمطة موضع معروف عند السوس الأقصى، متصل بسجلماسة، داخل المجال المنسوب إلى يوسف بن تاشفين، الذي يسميه المصدر «ملك المغرب».
أما علاقة لمطة بلمتونة، فالأدق عدم الجزم بأن الاسمين مترادفان في جميع المصادر؛ إذ قد تذكرهما بعض الروايات بوصفهما جماعتين متقاربتين داخل المحيط الصنهاجي، يجمعهما المجال والتحالف والاتصال السياسي.
الحادي عشر: عبد الله بن ياسين من المجال السوسي المغربي
كان عبد الله بن ياسين المؤسس الديني للحركة المرابطية مرتبطًا ببلاد السوس وجزولة، ولذلك تذكره المصادر باسم عبد الله بن ياسين الجزولي أو السوسي.
ويقول ابن خلدون، بعد حديثه عن صنهاجة ولمطة ومواطنهم بالسوس وما يليه من الصحراء وجبال درن:
«ومن تلميذه كان عبد الله بن ياسين صاحب الدولة اللمتونية…».
وهذا يدل على أن مؤسس الدعوة المرابطية خرج من وسط ديني وعلمي مغربي، ثم انتقل إلى قبائل صنهاجة في الصحراء لتعليمها وإصلاحها.
ثم تحركت الدعوة نحو:
- سجلماسة.
- درعة.
- السوس.
- أغمات.
- بلاد المصامدة.
- مراكش.
وهذا مسار داخلي لتوحيد المجال المغربي، لا غزو صادر عن دولة أجنبية.
الثاني عشر: القبائل المؤسسة للدولة المرابطية
لمتونة
كانت لمتونة أهم القبائل السياسية في الاتحاد المرابطي، ومنها خرج:
- يحيى بن عمر.
- أبو بكر بن عمر.
- يوسف بن تاشفين.
وقد وضعها الإدريسي في المغرب الأقصى، وربطها بنول والصحراء والسوس.
مسوفة
كانت مسوفة من قبائل الملثمين، وشاركت في الحركة المرابطية. ويذكر الإدريسي أزكى بأنها من بلاد مسوفة ولمطة.
لمطة
ارتبط اسمها بنول لمطة وبصناعة الدرق اللمطية، ووضعتها المصادر في المجال المتصل بالسوس وأول الصحراء.
جدالة
كانت من القبائل الأولى التي استدعت عبد الله بن ياسين، وأسهمت في البدايات الأولى للحركة المرابطية.
جزولة
قبيلة سوسية مغربية ارتبط بها عبد الله بن ياسين، وظهرت بلادها في وصف السوس الأقصى.
وهكذا كانت الدولة المرابطية:
- أمازيغية من حيث الأصل.
- صنهاجية من حيث العمود القبلي.
- مغربية من حيث المجال والدولة.
الثالث عشر: يوسف بن تاشفين يصرح بأنه «رجل مغربي»
تقدم مذكرات الأمير عبد الله بن بلقين، آخر ملوك بني زيري في غرناطة، شهادة شديدة الأهمية في كتابه المعروف باسم:
التبيان عن الحادثة الكائنة بدولة بني زيري في غرناطة.
وفي سياق حديثه عن دخول المرابطين إلى غرناطة وعزل ملوك الطوائف، ينقل عن يوسف بن تاشفين قوله:
«أنا رجل مغربي».
المرجع: عبد الله بن بلقين، التبيان، ص164 بحسب الصفحة المصورة.
وتعد هذه العبارة من أقوى الشهادات في الموضوع؛ لأنها ليست تصنيفًا حديثًا ولا وصفًا من مؤرخ متأخر، بل تصريح منسوب إلى يوسف بن تاشفين نفسه، أورده أحد ملوك الأندلس المعاصرين له.
فيوسف لم يعرّف نفسه بأنه رجل من بلاد السودان، ولا حاكم غانة، ولا أميرًا من دولة مجهولة الهوية، بل قال صراحة:
«أنا رجل مغربي».
وهذا يتفق مع:
- أصله اللمتوني الصنهاجي.
- وجود قبيلته في المغرب الأقصى.
- قيام دولته في مراكش.
- وصف المؤرخين له ولأسرته بملوك المغرب.
الرابع عشر: «بلاد الأندلس من العدوة» ومركز الدولة في المغرب
يتابع النص المنقول في التبيان توضيح موقف يوسف بن تاشفين من حكم غرناطة، فيقول بحسب الصفحة المصورة:
«ولا يمكنني إمساكها لتبين بلاد الأندلس من العدوة».
والمعنى أن يوسف بن تاشفين رأى أن الإمساك بغرناطة مباشرة أمر صعب بسبب انفصال بلاد الأندلس عن العدوة، أي الضفة المغربية التي يوجد فيها مركز حكمه.
وكان لفظ العدوة في المصادر الأندلسية يستعمل للدلالة على بلاد المغرب الواقعة في الضفة المقابلة للأندلس عبر البحر.
ويكشف النص تمييزًا واضحًا بين:
- بلاد الأندلس.
- العدوة المغربية.
- يوسف بن تاشفين بوصفه رجلًا مغربيًا مركز دولته في العدوة.
ولذلك فالأدق أن يقال إن يوسف لم يكن يتحدث عن بعد مسافة برية عادي، بل عن انفصال الأندلس عن المغرب بالبحر، وصعوبة إدارة غرناطة من مركز سلطانه في العدوة المغربية.
الخامس عشر: القيمة التاريخية لشهادة عبد الله بن بلقين
تكتسب رواية التبيان قيمة كبيرة للأسباب الآتية:
1. معاصرة المؤلف للأحداث
كان عبد الله بن بلقين آخر ملوك بني زيري في غرناطة، وكان طرفًا مباشرًا في الأحداث التي انتهت بعزل ملوك الطوائف.
2. اتصاله السياسي بيوسف بن تاشفين
يتحدث عن المفاوضات والمراسلات والمواقف السياسية للمرابطين، ولذلك يحمل نصه قيمة شاهد معاصر.
3. وضوح الهوية المغربية
يستعمل النص عبارات واضحة:
- «أنا رجل مغربي».
- «بلاد الأندلس».
- «العدوة».
وهذا يثبت أن المغرب كان هوية جغرافية وسياسية مفهومة في ذلك العصر، وأن يوسف كان ينتسب إليه بوضوح.
4. المغرب مركز الدولة
قول يوسف إنه لا يستطيع إمساك غرناطة بسهولة بسبب تباين الأندلس عن العدوة يدل على أن مركز حكمه كان في المغرب، وأن الأندلس كانت مجالًا عبر إليه من خارجه.
السادس عشر: المؤرخون يسمون المرابطين ملوك المغرب
1. القاضي عياض
جاء في ترتيب المدارك وتقريب المسالك وصف جيوشهم بأنها:
«جنود ملوك المغرب المرابطين».
وهذه عبارة سياسية صريحة من عالم مغربي عاش في العصر المرابطي.
2. القلقشندي
يصنف القلقشندي مسوفة ولمتونة من الملثمين ضمن:
«ملوك المغرب».
3. ابن عذاري
أدرج أخبارهم في كتابه:
البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب.
4. عبد الواحد المراكشي
عرض تاريخهم ضمن كتابه:
المعجب في تلخيص أخبار المغرب.
وهذه التسميات والتصنيفات تدل على أن المؤرخين لم يعتبروا المرابطين قوة أجنبية احتلت المغرب، بل إحدى دوله الكبرى.
السابع عشر: مراكش عاصمة الدولة المغربية المرابطية
حتى لو وقع نقاش حول بعض المواطن الصحراوية الدقيقة، فإن الهوية السياسية للدولة لا تحتمل التباسًا كبيرًا.
فقد أسس المرابطون مراكش واتخذوها عاصمة لهم. ومن مراكش:
- حكم يوسف بن تاشفين المغرب.
- أدار الجيش والولايات.
- انطلقت الحملات إلى الأندلس.
- ضُربت السكة.
- ترسخت سلطة أمير المسلمين.
ولم تصبح مدينة غانة أو أودغست أو غيرهما عاصمةً للدولة. كما لم تنتقل العاصمة إلى الأندلس.
فالمغرب كان المركز، والأندلس مجال التوسع.
الثامن عشر: من المغرب إلى الأندلس
عبر يوسف بن تاشفين وجيشه من المغرب إلى الأندلس بعد استنجاد ملوك الطوائف به لمواجهة ألفونسو السادس.
وقد وصفت المصادر هذا الجيش بأنه:
«جنود ملوك المغرب المرابطين».
وانتصر المرابطون في الزلاقة سنة 479هـ/1086م، ثم عاد يوسف إلى المغرب، قبل أن تتوالى حملاته ويضم ممالك الطوائف إلى دولته.
وهذا الاتجاه السياسي واضح:
- الانطلاق من المغرب.
- عبور البحر إلى الأندلس.
- الرجوع إلى المغرب.
- إدارة الأندلس من مركز الدولة في مراكش.
التاسع عشر: بلاد غانة ومدينة غانة ليستا موطن المرابطين
من الضروري التمييز بين:
بلاد غانة
وهي المملكة الواقعة في بلاد السودان الغربي.
مدينة غانة
وهي عاصمة المملكة أو مركزها السياسي، وقد وصفها البكري بأنها تتكون من مدينة للملك ومدينة للمسلمين والتجار.
وكانت القوافل المغربية تتجه إليها من سجلماسة ومدن الصحراء، لكن التجارة معها لا تجعل قبائل لمتونة من أهل غانة.
بل إن المصادر تميز بين:
- بلاد لمتونة.
- سجلماسة.
- نول.
- غانة.
- تكرور.
وتحدد المسافات بينها، ما يدل على أنها مجالات مختلفة.
إذن، وجود المرابطين على طرق غانة لا يعني أنهم غانيون أو من بلاد السودان، بل يعني أنهم كانوا يسيطرون على جزء من المسالك بين المغرب وبلاد السودان.
العشرون: الأدلة بحسب قوتها
أدلة صريحة مباشرة
- ابن خلدون: لمتونة ومسوفة ولمطة من شعوب المغرب الأوسط والأقصى.
- ابن خلدون: مواطنهم بالسوس والصحراء وجبال درن.
- الزهري: صنهاجة من قبائل المغرب.
- الإدريسي: «لمتونة الصحراء الذين هم بالمغرب الأقصى».
- عبد الله بن بلقين: «أنا رجل مغربي».
- القاضي عياض: «ملوك المغرب المرابطين».
- القلقشندي: الملثمون ملوك المغرب.
- قيام الدولة في مراكش.
أدلة جغرافية قوية
- نول لمطة متصلة بالسوس.
- أزكى بين سجلماسة ونول.
- انتقال عبد الله بن ياسين من جبل لمتونة إلى سجلماسة.
- اتصال درعة بأول الصحراء.
- وجود لمتونة ولمطة في مجال نول ووادي نون.
استنتاجات تحتاج إلى احتياط
- المطابقة الدقيقة بين أزكى وأسرير أو بويزكارن.
- المطابقة بين تازكاغت والساقية الحمراء.
- القول إن لمط ولمتونة اسم واحد دائمًا.
- تحويل المرحلة إلى عدد ثابت من الكيلومترات.
- تحديد نول القديمة داخل مركز كلميم الحديث تحديدًا نهائيًا.
الحادي والعشرون: الرد على دعوى أن المرابطين احتلوا المغرب
لا يصح وصف المرابطين بأنهم قوة أجنبية احتلت المغرب للأسباب التالية:
- صنهاجة من قبائل المغرب في نص الزهري.
- لمتونة ومسوفة ولمطة من شعوب المغرب الأوسط والأقصى عند ابن خلدون.
- لمتونة الصحراء موجودة بالمغرب الأقصى عند الإدريسي.
- مواطنهم في السوس والصحراء وجبال درن.
- عبد الله بن ياسين مرتبط بالسوس وجزولة.
- يوسف بن تاشفين قال عن نفسه: «أنا رجل مغربي».
- المؤرخون وصفوهم بملوك المغرب.
- أسسوا مراكش وجعلوها عاصمة.
- عبروا من المغرب إلى الأندلس.
- كانت العدوة المغربية مركز دولتهم في مقابل الأندلس.
والأدق تاريخيًا أن يقال:
الدولة المرابطية دولة مغربية أمازيغية صنهاجية، خرجت من السوس وصحراء المغرب، ووحدت المغرب، واتخذت مراكش عاصمة، ثم امتدت إلى الأندلس.
خاتمة
تثبت النصوص التاريخية والجغرافية أن المرابطين ينتمون إلى المجال المغربي من حيث الأصل القبلي والجغرافيا والقيادة والمركز السياسي والتسمية التاريخية.
فابن خلدون يجعل لمتونة ومسوفة ولمطة من بطون صنهاجة المتفرقة في المغرب الأوسط والأقصى، ويحدد مواطنها بالسوس وما يليه من بلاد الصحراء وجبال درن، أي سلسلة الأطلس المغربية. والزهري يضع صنهاجة بين قبائل المغرب، ويربط بلاد لمتونة المرابطين بالسوس الأقصى. والإدريسي يصرح بأن لمتونة الصحراء موجودة بالمغرب الأقصى، ويجعل نول وأزكى وبلاد مسوفة ولمطة ضمن المجال المتصل بسجلماسة والسوس.
كما يروي البكري انتقال عبد الله بن ياسين ورجال صنهاجة من جبل لمتونة إلى سجلماسة، وهو انتقال داخل المجال المغربي الصحراوي والتجاري.
ثم تأتي شهادة عبد الله بن بلقين لتقدم دليلًا مباشرًا من عصر يوسف بن تاشفين؛ إذ ينقل عنه قوله:
«أنا رجل مغربي».
كما يذكر يوسف أن إمساك غرناطة صعب بسبب تباين بلاد الأندلس عن العدوة، أي عن المغرب الذي كان مركز دولته. وهذا يثبت أن يوسف كان يميز بين وطنه السياسي في المغرب وبين الأندلس التي عبر إليها.
وتتفق هذه الشهادة مع تسمية القاضي عياض لهم «ملوك المغرب المرابطين»، ومع تصنيف القلقشندي لهم ضمن ملوك المغرب، ومع اتخاذهم مراكش عاصمة.
وعليه، فالمرابطون لم يكونوا جماعة أجنبية احتلت المغرب، بل كانوا:
قبائل أمازيغية صنهاجية من المغرب الأقصى والسوس وصحرائه، أقامت دولة مغربية مركزها مراكش، وعبر ملوكها من المغرب إلى الأندلس، ووصفهم المؤرخون صراحةً بأنهم ملوك المغرب.
المراجع الأساسية
- ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، ج6، ص11، دار الفكر، والنصوص المتعلقة بصنهاجة ولمطة وعبد الله بن ياسين.
- الزهري، كتاب الجغرافيا، ص116 و117 و336 بحسب النسخة المصورة.
- أبو عبيد البكري، المسالك والممالك، ص354 بحسب المقتطف المرفق.
- الشريف الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ص19 و40 و223 و225 بحسب النسخة المرفقة.
- عبد الله بن بلقين، التبيان عن الحادثة الكائنة بدولة بني زيري في غرناطة، ص164–165 بحسب النسخة المصورة.
- القاضي عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك.
- القلقشندي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا.
- ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب.
- عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب.
- ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان.
- ابن حوقل، صورة الأرض.
- الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار.
- مؤلف مجهول، الاستبصار في عجائب الأمصار.